الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
221
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حوله » وهذا كلام مكر لأن ظاهره قصد الرفق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من كلفة إنفاق الأعراب الذين ألمّوا به في غزوة بني المصطلق ، وباطنه إرادة إبعاد الأعراب عن تلقي الهدي النبوي وعن أن يتقوى بهم المسلمون أو تفرق فقراء المهاجرين لتضعف بتفرقهم بعض قوة المسلمين . وروايات حديث زيد مختلطة . وقوله : رَسُولِ اللَّهِ يظهر أنه صدر من عبد اللّه بن أبيّ ومن معه من المنافقين بهذا اللفظ إذا كانوا قالوا ذلك جهرا في ملإ المسلمين إذ هم يتظاهرون ساعتئذ بالإسلام . و حَتَّى مستعملة في التعليل بطريقة المجاز المرسل لأن معنى حَتَّى انتهاء الفعل المذكور قبلها وغاية الفعل ينتهي الفاعل عن الفعل إذا بلغها ، فهي سبب للانتهاء وعلّة له ، وليس المراد فإذا نفضوا فأنفقوا عليهم . والانفضاض : التفرق والابتعاد . وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ . عطف على جملة هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إبطال لمكر المنافقين فيما قصدوه من قولهم المتظاهرين بأنهم قصدوا به نصح المسلمين ، أي لو تمشت حيلتهم على المسلمين فأمسكوا هم وبعض المسلمين عن إنفاق الأعراب ومن يأوون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من العفاة ، فإن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لا يقطع عنهم الإنفاق وذلك دأبه كما دل عليه حديث عمر بن الخطاب « أن رجلا جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فسأله أن يعطيه فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : ما عندي شيء ولكن ابتع عليّ فإذا جاءني شيء قضيته . فقال عمر : يا رسول اللّه ما كلفك اللّه ما لا تقدر عليه ، فكره النبي صلى اللّه عليه وسلّم قول عمر . فقال رجل من الأنصار : يا رسول اللّه أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا . فتبسّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاري ثم قال : بهذا أمرت » . رواه الترمذي في كتاب « الشمائل » . وهذا جواب من باب طريقة النقض لكلامهم في مصطلح آداب البحث . و خَزائِنُ جمع خزانة بكسر الخاء . وهي البيت الذي تخزن فيه الطعام قال تعالى : قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ تقدم في سورة يوسف [ 55 ] . وتطلق على الصندوق الكبير الذي يخزن فيه المال على سبيل التوسع وعلى بيوت الكتب وصناديقها ، ومن هذا